أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

454

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حرف جر ، ثم حمل باقي الباب عليه ، وهذا كما تقدّم في الفرق بين « أولئك » اسم إشارة و « إليك » جارا ومجرورا وقد تقدّم . وإذا سمّيت بأولي من أولي كذا قلت : جاء ألون ورأيت إلين ، بردّ النون لأنها كالمقدّرة حالة الإضافة فهو نظير : ضاربو زيد وضاربي زيد . والألباب جمع « لبّ » وهو العقل الخالي من الهوى ، سمّي بذلك لأحد وجهين : إمّا لبنائه من لبّ بالمكان أقام به ، وإمّا من اللّباب وهو الخالص ، يقال : لبت بالمكان ولببت بضمّ العين وكسرها ، ومجيء المضاعف على فعل بضمّ العين شاذ ، استغنوا عنه بفعل مفتوح العين ، وذلك في ألفاظ محصورة نحو : عززت وسررت ولببت ودممت ومللت ، فهذه بالضمّ وبالفتح ، إلا لببت فبالضمّ والكسر كما تقدّم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ : « كتب » مبنيّ للمفعول وحذف الفاعل للعلم به - وهو اللّه تعالى - وللاختصار . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون « الوصية » أي : كتب عليكم الوصية ، وجاز تذكير الفعل لوجهين : أحدهما : كون القائم مقام الفاعل مؤنثا مجازيا . والثاني : الفصل بينه وبين مرفوعه . والثاني : أنه الإيصاء المدلول عليه بقوله : « الوصية للوالدين » أي : كتب هو أي : الإيضاء . والثالث : أنه الجارّ والمجرور ، وهذا يتّجه على رأي الأخفش والكوفيين . و « عليكم » في محلّ رفع على هذا القول ، وفي محلّ نصب على القولين الأوّلين . قوله : إِذا حَضَرَ العامل في « إذا » « كتب » على أنها ظرف محض ، وليس متضمنا للشرط ، كأنه قيل : كتب عليكم الوصية وقت حضور الموت ، ولا يجوز أن يكون العامل فيه لفظ « الوصية » لأنها مصدر ، ومعمول المصدر لا يتقدّم عليه لانحلاله لموصول وصلة إلا على مذهب من يرى التوسّع في الظرف وعديله ، وهو أبو الحسن ، فإنه لا يمنع ذلك ، فيكون التقدير : كتب عليهم أن توصوا وقت حضور الموت . وقال ابن عطية : « ويتّجه في إعراب هذه الآية أن يكون « كتب هو العامل في « إذا » ، والمعنى : توجّه عليكم إيجاب اللّه ومقتضى كتابه إذا حضر ، فعبّر عن توجّه الإيجاب بكتب ، لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل ، و « الوصية » مفعول لم يسمّ فاعله بكتب . وجواب الشرطين « إن » و « إذا » مقدر يدلّ عليه ما تقدّم من قوله كتب » . قال الشيخ « 1 » : « وفي هذا تناقض لأنه جعل العامل في « إذا » كتب ، وذلك يستلزم أن يكون « إذا » ظرفا محضا

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 19 ) .